القرطبي
216
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : نحن خلقناكم فلولا تصدقون ( 57 ) أفرءيتم ما تمنون ( 58 ) أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ( 59 ) نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين ( 60 ) على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في مالا تعلمون ( 61 ) ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون ( 62 ) قوله تعالى : ( نحن خلقناكم فلولا تصدقون ) أي فهلا تصدقون بالبعث ؟ لان الإعادة كالابتداء . وقيل : المعنى نحن خلقنا رزقكم فهلا تصدقون أن هذا طعامكم إن لم تؤمنوا ؟ قوله تعالى : ( أفرأيتم ما تمنون ) أي ما تصبونه من المني في أرحام النساء . ( أأنتم تخلقونه ) أي تصورون منه الانسان ( أم نحن الخالقون ) المقدرون المصورون . وهذا احتجاج عليهم وبيان للآية الأولى ، أي إذا أقررتم بأنا خالقوه لا غيرنا فاعترفوا بالبعث . وقرأ أبو السمال ومحمد بن السميقع وأشهب العقيلي : ( تمنون ) بفتح التاء وهما لغتان أمنى ومنى ، وأمذى ومذي ، يمني ويمني ويمذي ويمذي . الماوردي : ويحتمل أن يختلف معناها عندي ، فيكون أمنى إذا أنزل عن جماع ، ومنى إذا أنزل عن الاحتلام . وفي تسمية المني منيا وجهان : أحدهما لأمنائه وهو إراقته . الثاني لتقديره ، ومنه المنا الذي يوزن به لأنه مقدار لذلك ، كذلك المني مقدار صحيح لتصوير الخلقة . قوله تعالى : ( نحن قدرنا بينكم الموت ) احتجاج أيضا ، أي الذي يقدر على الإماتة يقدر على الخلق ، وإذا قدر على الخلق قدر على البعث . وقرأ مجاهد وحميد وابن محيصن وابن كثير ( قدرنا ) بتخفيف الدال . الباقون بالتشديد ، قال الضحاك : أي سوينا بين أهل السماء وأهل الأرض . وقيل : قضينا . وقيل : كتبنا ، والمعنى متقارب ، فلا أحد يبقى غيره عز وجل . ( وما نحن بمسبوقين . على أن نبدل أمثالكم ) أي إن أردنا أن نبدل أمثالكم لم يسبقنا أحد ، أي لم يغلبنا . ( وما نحن بمسبوقين ) معناه بمغلوبين . وقال الطبري : المعنى نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم بآخرين من جنسكم ، وما نحن بمسبوقين